المولد والنشأة

في الحادي والعشرين من شهر نوفمبر عام 1935 ولدت حمامتنا البرية ( نهاد حداد ) ولدت ونشأت في بيئة توصف بالفقيرة ، وفي مدرسة الإناث الأولي الرسمية نالت حظا متواضعا من التعليم وفي هذه المدرسة أيضا التي كان يزورها بمحض الصدفة الموسيقي ( محمد فليفل ) لفتت سمعه إلي صوتها الاستثنائي الصوت المكون من طبقة رجع الريح وتغريد عصافير البراري.

حليم الرومي من جهته وجد لها في الإذاعة وظيفة صغيرة كفتاة ( كورس ) وسماها فيروز من دون أن يعلم سلفا مدي وقع تأثير هذا الاسم في نفوسنا ، بل تمادي في الاقتراب منها ولحن لها بعض الألحان ، وقدمها في وقت لاحق إلي عاصي الرحباني كصوت يناسب الأغاني الخفيفة . وبحكم طبيعة اللقاءات المتكررة بينها وبين عاصي حدث ما يحمد عقباه وتم - الزواج - الذي كلل بمولد زياد ثم هلي ومن بعدهما ليال .

فيروز – التي نعرفها جميعا تميزت بكل ما تحتويه كلمة التميز من شكل ومضمون ، تميزت في شعر الرحبانية وموسيقاهم الشفافة المتوغلة بعيدا في بساطة الألحان ورشاقة التوزيع .

غنت حمامتنا للحب كما غنت للفرح والأحزان ، غنت راجعون وزهرة المدائن لفلسطين وغنت لضوء الشمس المنسكب من جهة الشرق علي الأرض المزروعة ، وفي مجد قمتها ( وهي القمة التي لا نقبل عنها بديلا حتى الآن ) تسللت فيروز إلي فن السينما الذي راق لها كثيرا وهي التي سبق لها التخلص من عقدة المثول أمام كاميرات التلفزيون علي يد نخبة من رواده من أمثال : أنطوان ريمي .

في السينما أطلت علينا من خلال : سفر برلك وأبنة الحارس و بياع الخواتم ، وهنا أعتبرها فيلسوف السينما العربية ومبدعها القدير المخرج الفنان : يوسف شاهين ، واحدة من كبيرات ممثلات العرب ، كما أشاد بأدائها المخرج هنري بركات ، وكان من الممكن لفيروزنا أن تستمر في الشوط السينمائي إلي منتاه لولا انصرافها بالكامل للأعمال المسرحية والأغاني العظيمة التي وقفت دون فيروز الممثلة السينمائية المريحة للبصر والسمع معا .

التاريخ الموسيقي للرحابنة

لكي نستوعب صوت السيدة ( فيروز ) يجدر بنا أن نمر ولو سريعا علي التاريخ الموسيقي للرحابنة عاصي ومنصور وإلياس أولاد ( حنا الرحباني ) حيث شكلوا معا أسرة فنية لها ولع موحد بالموسيقى بسبب أن الوالد هو الآخر كان محبا للشعر ينظمه ويغنيه ومما شجعه علي ذلك أنه كان يملك ما يعرف بالمقهى الموسيقي أو ( الكازينو ) حيث يعزف لزبائنه علي البزق ويغني أغاني تلك المرحلة من أمثال : أغنية ( أنا هويت وانتهيت ) لسيد دروش .

وكان هذا الوالد الفنان بمثابة المنبع الأول ، أما المنبع الثاني فيمثله الأب ( القس ) بولس الأشقر الذي ألف بدوره جوقة ( فرقة ) موسيقية وقام بتلقين الرحبانة علوم الموسيقي والتراتيل في كنيسة ( مارا الياس ) في بلدتهم ( أنطلياس ) كما وجههم هذا القس نحو المراجع الموسيقية كالرسالة الشهابية وهي الرسالة التي أبدعها السيد محمد شهاب وتحتوي على ما يقرب من ثلاثمائة وخمسين موشحة متنوعة في مقاماتها وأوزانها العروضية وقوافيها وطرق أساليب التعبير فيها . ولم يكتف الأب بولس عند هذا الحد بل دفعهم لقراءة الدكتور ميخائيل مشاقة وكتاب الموسيقي الشرقية للفنان كامل الخلعي .

والمنبع الثالث تمثل في الأستاذ الفرنسي البروفسير ( برتران روبيار ) الذي كان يعمل أستاذا في أكاديمية الفنون اللبنانية ، فسقاهم هذا الأستاذ دروسا في أصول الموسيقي العالمية والهارموني والكوانتربونت إضافة إلي دروس أخري في الأنغام الشرقية ، ثم يدرس الرحابنة التحليل الموسيقي والتوزيع الآلي علي يد الأستاذ ( توفيق سكر ) ويحصلون كذلك علي تمارين عملية في التكنيك الآلي بمعرفة الأستاذ ( ميشال يورد ينس ) وهو قائد فرقة موسيقية أسبانية .

أما فيروز فقد تلقت مبكرا دروسا يومية في الصولفيج وكانت تنال حظا فنيا واهتماما خاصا من قبل الملحن حليم الرومي الذي وضع لها عدة ألحان اشتهرت منها أغنية تقول : ( يا حمام يا مروح بلدك أحبك مهما أشوف منك ) وكان حليم الرومي في غاية الاندهاش في تعامله مع فيروز إذ كانت كما يقول : تحفظ الأغنية في جلسة واحدة كأنها تعرفها من قبل . ثم يعلل ذلك بقوله : إنها فنانة شديدة الحساسية ولها فطرة موسيقية سليمة .

تغني من حنجرتها

قلة قليلة سمعت بالشاعر المصري : فؤاد بدوي - الذي رحل علي عالمنا يوم الأحد في الخامس من شهر نوفمبر 2000 . وقليلون الذين طالعوا كتابه عن فيروز ( جارة القمر ) من منشورات أوائل الستينيات عن الدار القومية للطباعة والنشر في القاهرة .

كان فؤاد بدوي من الأصدقاء المقربين للأخوين رحباني وفيروز ولقد قام في هذا الكتاب بسرد تاريخ العلاقة بين الإنسان في منطقتنا العربية وفن الغناء تخلص إلي أن الإنسان كائن مغن جرب في تاريخه الطويل كثيرا من أشكال التعبير وسجل ضمن اكتشافاته في هذا المجال ظاهرة جديدة متمثلة في الثلاثي الساحر فيروز والأخوين رحباني .

ولد الشاعر : ( محمد فؤاد بدوي ) بقرية روينة بمحافظة كفر الشيخ في مصر وحصل على ليسانس الآداب قسم التاريخ من جامعة الإسكندرية عام 1960 وعمل سكرتيرا لتحرير مجلة كتابي ثم مستشارا بالهيئة العامة للفنون والآداب وعضوا ببرنامج الكتاب الدوليين بجامعة ايوا الأمريكية وأستاذا زائرا بجامعتي ايوا وايوا الشمالية. وكان هذا الشاعر النبيل عضوا بنقابة الصحفيين واتحاد الكتاب واتحاد الصحفيين العرب وجمعية المؤلفين والملحنين وناشري الموسيقى بالقاهرة وباريس وله 15 مؤلفا ما بين ديوان شعر وقصة قصيرة وسيناريو.

ومن اشهر مؤلفاته ( ابن بطوطة) ( وردة من برلين ) و ( قطرات من نهر الحب) و ( العشاء الأخير ) و ( جارة القمر ) وقام بترجمة مسرحية العمياء للكاتب البلجيكي موريس فزلانك وحصل على الميدالية الذهبية لمهرجان الإسكندرية الأول للشعر عام 1981.

ومن كتابه ( جارة القمر ) الذي يقع في 258 صفحة من الحجم المتوسط والذي صمم غلافه ووضع له الرسوم الداخلية الفنان الشامل : ( رسام – كاتب سيناريو – مخرج سينمائي – قاص – صحفي ) الفنان يوسف فرنسيس ، من هذا الكتاب نقتطف الفقرة التالية :

"والذي يستمع إلي فيروز وهي تؤدي منتورة في مسرحية : الليل والقنديل - يدرك تماما أن صوتا بشريا قادرا في لحظة أن يضع الإنسان بين الأرض والسماء"

والغناء الشرقي عامة ( والكلام لـ فؤاد بدوي ) : الفارسي والتركي والعربي يؤدي من الأنف ، والذي تتميز به فيروز هو أنها تعطي صوتها من الحنجرة ، ولكي يخرج الصوت من الحنجرة سليما قويا ، لابد وأن ينطلق أساسا من التجويف البطني .

ثم يستحضر مثالا علي ذلك بقوله : ( تشبه فيروز في طريقة الغناء من الحنجرة المطربة القديرة : وردة - التي تغني هي الأخرى من الحنجرة لأنها غنت كثيرا في باريس مصاحبة أوركسترا غربيا كاملا . )

والسؤال ما أهمية الأداء من الأنف أو من الحنجرة ؟ والجواب علي ذلك أن الأداء من الأنف يفرض نغمة الحزن حتى وإن كانت الكلمات تقول : الورد جميل جميل الورد ، إذ يتبين لنا بسهولة أن الشيخ زكريا أحمد كان في هذه الأغنية الشهيرة يتنهد ويلتاع.

والإنسان عندما يغني من حنجرته يستطيع أن يملك صوته كله وعلي هذا نري أن صوت فيروز حينما يغني الورد يصبح هو فعلا وردا متفتحا ومعطرا .

تخاف من الابتعاد عن عشها

سافرت في كل أرجاء الدنيا ، وعندما تحط طائرتها معلنة عن سلامة الوصول ، والحالة الجوية في الخارج ، وما إلي ذلك من تعليمات مثل عدم فك الأحزمة ومغادرة المقاعد إلي أن تتوقف الطائرة نهائيا كما هو متعارف عليه في جميع الرحلات الجوية الداخلية منها والخارجية علي حد سواء .

تلملم – حمامتنا – ريشها المبعثر علي المقعد المجاور للسحاب وتجمع ذهنها الشارد عن المسافرين، وتتجه من الطائرة مباشرة إلي عش مؤقت في أحد الفنادق الفخمة ، وهناك وخوفا من مرض طارئ تحبس نفسها وحيدة متفكرة فيما يحدث وما سيحدث مما قد يتسبب في توقفها أو توقف فرقتها الموسيقية عن العمل ، في حين يخرج الآخرون من دونها في نزهات راجلة في الأنحاء القريبة في محاولة منهم لاستطلاع المعالم المحيطة بالفندق وقد يبتعدون أكثر فأكثر للتعرف علي معالم هذه المدينة وأحيانا يجرهم حب الاستطلاع بالسؤال عن الأماكن السياحية ، أما نساء الفرقة الجميلات فيتحجرن أمام واجهات المحلات التجارية التي تعرض أحدث خطوط الموضة وأدوات الزينة ولأن مخزون الجيب عندهن لا يعول عليه كثيرا مقارنة بارتفاع الأسعار ، يكتفين بالفرجة ، والفرجة – بحد ذاتها - كما يقال تطيل العمر .

في مدينة عمان – الأردنية - علي سبيل الذكر لا الحصر ، عاشت تجربة السجن الاختياري بمحض رغبتها ولعلي بها ( كمسافر لا يطيق البقاء في الفنادق ) تحس – فيروز - وتشعر كإنسانة بهاتيك المشاعر العابرة التي تراودنا كمسافرين خارج الوطن برغبة طاغية للتجول في الشوارع وببعض التسوق وإلي ما هنالك من تصرفات صغيرة لا تخفي علي أحد ، غير أن مثل هذه التطلعات التي تغزو خاطرها وتبقي مؤجلة أبدا في سفرياتها العديدة ، لأن عقلها وشاغلها الشاغل ، يفكر بالمسرح وستارته وأضوائه ، وما يدور فوقه من تجهيزات ، وهي التي تعلم قبل غيرها مدي إقبال الجماهير الرفيعة علي حفلاتها ، هنا .. وهنا فقط تفضل البقاء في غرفتها وتتذكر .. تتذكر الفرح الذي لا يدانيه فرح آخر .. فرح لا تعادله أية سياحة من أي نوع كان.

ويومها .. في ذلك المساء الأردني البهيج وقفت فيروز أمام بحر كبير ، بحر من البشر لتغني وكأنها مسافرة من حوريات الأساطير ، تمتطي صهوة الريح .

من أسرار تألقها

ثمة حقيقة تدركها فيروز تماما وهي أنها تعيش عصر الإعلام ، تدرك ذلك غير أنها تضع حاجزا مرتفعا في وجه المقابلات والحوارات الصحفية ، ومن النادر أن يكتب عنها صحافي أو كاتب دون سابق معرفة بها ، اللهم باستثناء المولعين بفنها عن قناعة ، وفيروز كما هو معلوم ، تحمل حساسية تجاه أهل القلم ، وهذا لا ينفي أنها لا ترتبط بصدقات عميقة مع عدد من الصحافيين والكتاب الذين تبين لي من خلال هذه السيرة أنهم يدورون في فلكها الفني يشدهم إلي مدارها الجاذب بسبب إعجابهم الشديد بها وبفنها الرفيع وفي هذا الصدد كتب الشاعر الكبير صالح جودت:

قضيت أمسية حلوة في بيت الرحبانية عاصي ومنصور وفيروز ، البيت الجميل القائم علي جبل أنطلياس .

ويري أن من أسرار تألق فن هؤلاء الثلاثة أنهم لم يندمجوا في حياة المدينة ، بل اثروا حتى بعد أن أصابوا هذا الحضور الواسع وباحوا بهذا العطاء الكبير ، أن يحتفظوا بعزلتهم في الجبل الشاعري الذي نشاؤا فيه والتزموا بروح الأصالة الجبلية .

والشاعر القدير الأستاذ صالح جودت تعرف علي الرحبانية وفيروز قبل أن يعرفهم الناس بل وقبل أن يصبح عاصي زوجا لفيروز .

كانت فيروز يومئذ صبية في أول الصبا وكان عاصي يحبها ، وكانت تسكن بيتا يقوم علي الجبل ذاته . وسهرنا معا حتى الفجر ( يقول جودت ) سهرة ضمت يوسف وهبي وأمينة رزق ومحمد فوزي ومديحة يسري وفريد شوقي وهدي سلطان ومحمود ذو الفقار ومريم فخر الدين وصباح والصحافي سعيد فريحة .

قلب العالم يسطع في الظهيرة

عندما تبوح فيروز في إحدى أغنياتها العذبة بقولها : ( الله لا يشغل لك بال ) دعاء يهبط بردا وسلاما علي قلوب سامعيها ، دعاء يفوح بعطر الأنوثة الحقيقية الرائعة ، لا تلك الأنوثة الزائفة والمستبدة .

الشاعر : كمال عمار - من وحي هذه الأغنية ، بل ومن مجمل أغانيها الخالدة كتب في هديل فيروز ما نصه :

صوتك يجعلني أرفض أشياء
أقبل أشياء أكثر
صوتك يا سيدتي الأميرة
في ليلنا قنديل
يجعل قلب العالم
يسطع في الظهيرة
يشد أزر عابر  في الليلة المطيرة
صوتك كالمائدة
يضم زارعي الحقول والجنود
وصائدي القوارب الصغيرة
صوتك يا سيدتي
يبعث في جوانحي أمنية
أن ابصر الوجود  معطر السريرة 

حلمي التوني – التشكيلي المصري البديع قال في نوحها وهديلها معا :

إنني أستمع إلي صوت فيروز وموسيقي الأخوين رحباني بدون خجل ، فهناك من الألحان والأصوات لا تستطيع أن تسمعها إلا وأنت في حالة ( خجل شديد ) خجل من نفسك ومن اللحن ومن الصوت ، لأنها ألحان مريضة وأصوات هزيلة . أما فيروز وألحان الرحباني فهي فن الصراحة والصحة والهواء الطلق.

صوتها السفينة والشاطيء والمنارة

أنسي الحاج أحد أبرز وأهم مؤسسي مجلة : شعر ، بل والشاعر المتميز ، يقول في حمامتنا البرية فيروز نثرا لا يقل قيمة عن شعره المتوعل أبدا في المعاني والمضامين ، وهو عندما يكتب عن فيروز يشعر بأنه محمول إلي قلوب الناس الكثيرين الذين يحلم بهم ككاتب بالوصول إليهم ، وحين – أنسي – يكتب عن فيروز يري أن الموضوع يكتبه عوضا أن يكتبه يملؤه إلي حد يضيع معه في خضم من المعاني والصور والأفكار ، ولا يعود يعرف كيف يبدأ ولا يعود يرغب أن ينتهي وغالبا ما قيل في كتاباته عنها أن فيها مبالغات :

أقسم بالله أن ما يراه البعض مبالغات ، ليست في الواقع غير شحنات لفظية صادقة ولكنها شحنات لفظية لا غير لتغطية فشلي ككاتب في أن أعكس ما يحمله لي كإنسان ، وما يعنيه لي وما يفجره في صوت يلهم ويفجر أكثر ثلاثة أشياء يحتاج عالمنا إليها : الحنان والإيمان والحماسة. 

ويؤكد أنسي الحاج أنه كلما تقدم صوت فيروز كلمة ، مقطعا ، نغما ، انفتح أمامنا أفق جديد ، وكل غناء لها هو بتقديره سيطرة علي الزمن وغلبة علي الوحشية وفعل حب . كما يضيف أنسي الحاج ، وكأني به يقرأ أفكارنا وخوالج مشاعرنا يضيف قائلا :

بعض الأصوات سفينة ، بعضها شاطئ ، بعضها منارة ، وصوت فيروز هو السفينة والشاطئ والمنارة .
حول تقاليدها الغنائية

إن لم تكن الحفلة في الهواء الطلق كما هو متعارف عليه في حفلاتها ومسرحياتها العظيمة في ستينيات بيروت من القرن العشرين ، وكانت هذه الحفلة في قاعة مسرحية جيدة التهوية ومرتفعة الجدران ومعدة سلفا بطريقة هندسية باهرة تليق بجارة القمر ، نلمح من مقاعدنا الوثيرة بعد طول انتظار، ستارة القطيفة ذات اللون النبيذي البالغ الوقار ، ذلك اللون الذي يميز لوحات فناني عصر النهضة عن غيره من ألوان ، نلمح بانتباه الستارة وهي تذوب رويدا .. رويدا ونحس بها وهي تغوص في ذاتها ، فيما تنهض المقدمة الموسيقية علي نحو لا ندري من أين تنبعث لأن جل اهتمامنا يخمن من أية جهة سوف تطل علينا فيروز .

تخرج من حيث لم يسعفنا التوقع وتحي جماهيرها باحترام وفي غاية الاختصار، تفعل ذلك من دون أن ترفع الكلفة بيننا وبينها ، وتبدأ من فورها بالغناء وكل أغانيها السابقة واللاحقة ليس لها إلا مقدمات موسيقية في منتهى الإيجار لا تزيد عن نصف دقيقة ، ومهما صفقنا لها في وسط الأغنية فأنها ترد علي هذا الاحتفاء بانحناءة بسيطة وتمضي .. تمضي في الغناء .

وعندما تنتهي هذه الأغنية تحي جماهيرها بأدب جم وتمضي .. تمضي مرة أخري في الغناء ، وهي لا تقف بين أغنية وأخري لتلبي طلباتنا أو تسألنا ماذا نريد أن نسمع منها ، ولأنها تحترم فنها وجماهيرها الرفيعة تمضي الحفلة ، تمضي بسلام علي غير السائد في الحفلات الأخرى .

في عقد غير مبرم بينها وبين جماهيرها، تقاليد ثابتة تشكلت منذ حفلاتها الأولي ، من بنود هذا العقد علي سبيل المثال لا الحصر، أن هذه الجماهير لا تصفق لها إلا في الوقت المناسب ، مما جعل فيروز الأقدر علي الإجادة والإبداع .

سفيرة النجوم إلينا

يقال أن فيروز وهي ما تزال في بطن أمها ، كان والدها يود أن يكون المولود ولدا وليس بنتا، وبنت أثر بنت – رُزقت العائلة كما ترغب بمولود أُطلق عليه اسم جوزف ، وفي طفولتها وصباها يروي عنها أنها نشأت علي غير سلوك البنات ، نشأت علي العناد و ( الشيطنة ) والقتال مستعينة بأظفارها الطويلة التي كانت تغرزها كقطة غاضبة ، في وجوه أخواتها دفاعا عن حقوقها التي ينالها أخاها المدلل – جوزف – وكثيرا ما كانت تهجم عليه وتشده من شعره وتطرحه أرضا لمجرد أنه يحظى من دونها ، بعناية والده وتلبية رغباته .

و منذ سنوات التلمذة وحتى يومنا هذا وفيروز تكره مادة الحساب ، وإلي يومنا هذا لا تجيد التعامل مع جدول الضرب الأمر الذي جعلها فيما بعد لا تكترث بحسابات المال المخصص للإنفاق وإن كانت كما يقول المغرضون أنها حريصة علي عد دخلها عن إحياء الحفلات والمهرجانات التي تحييها ، تعدها وتحصيها بعناية وفي منتهى اليسر والسهولة ويبقي أجر فيروز كبعض من سمات شخصيتها الغامضة سر آخر من أسرارها التي لم يكشف النقاب عنها بعد .

منحت فيروز عدة ألقاب معنوية ، لقب يصفها بالمطربة الكبيرة وهو من الألقاب الذي تقاسمته مع غيرها من مطربات القمة مثل أم كلثوم وسعاد محمد ونجاة الصغيرة ، ثم سميت بالمطربة الرقيقة ، غير أن أشهر ألقابها هو ( سفيرتنا إلي النجوم ) الذي خلعه عليها الشاعر الكبير سعيد عقل .

وحتى لقب سفيرتنا إلي النجوم ، قلبه محمد عبد الوهاب في سهرة من سهرات التجلي في بيت فيروز وعاصي بجبل أنطلياس التي عادة ما يكون عبد الوهاب في مثل هذه الأمسيات ، المهيمن عليها استنادا إلي ثقافته الموسيقية الواسعة وقدرته الفائقة علي استرجاع قصائد أمير الشعراء أحمد شوقي عن ظهر قلب ، وهي السهرة التي ضمت ساعتها نزار قباني وكولييت خوري وسعيد عقل وفيروز والرحبانية وهنا قال موسيقار الأجيال عن سفيرتنا إلي النجوم أنها : سفيرة النجوم إلينا .

ومع هذا التفخيم والألقاب الكثيرة ، ترتاح فيروز إلي تجردها من كل لقب ، فيما يري عشاق فنها من غير الشعراء والموسيقيين والكتاب الكبار، أن اسم فيروز بحد ذاته يمثل لديهم وحده الاسم الحركي – إذا جاز التعبير – للصوت العذب والأداء العميق ، الصوت الذي ينشد طوال تاريخه المشرف ، الكلمة الرشيقة الكلمة المنتقاة بعناية .

الزمان المحترق

قبل عشرين عاما أو يزيد بسنة أو اثنتين ، جاء الموسيقار الخالد - رياض السنباطي - إلي بيروت خلسة من دون أن تدري بقدومه ، وسائل الإعلام والصحافة المرئية والمقرؤة ، وحدها فيروز كانت علي علم مسبق بهذه الزيارة الخاطفة ، فطارت إليه مسرعة كحمامة زاجلة وحطت علي شرفة غرفته في فندق منزوي من فنادق الدرجة الثانية ، فأستقبلها الموسيقار الزاهد في الأضواء والحوارات الصحفية ، مرحبا بها كأهل بيتها مما جعلها تشعر كما لو أن المكان قد تحول إلي سهل أخضر ، سهل مترامي الأبعاد ، وشرح تفصيلي منه وكلمات محدودة وخافتة من فيروز حول ما تم في الألحان الثلاثة الجديدة التي أعدها لها ، وإذ ذاك هيأت حمامتنا ذهنها الموسيقي تماما وأوحت له من طرف خفي عن استعدادها للتحليق قبل أن يداهمها زائر متطفل ، أو ظرف مفاجئ غير متوقع يصادر خلوتهما الناعمة .

وحرصا منه كذلك علي أهمية هذه اللحظات الهاربة من العمر الهلامي لبني البشر ، توجه في الحال إلي حقيبة سفره تحمله خطواته الثقيلة وأخرج منها جهاز تسجيل صغير وضعه بينه وبين فيروز علي مائدة عالية تتوسط المكان ، ثم استدار وسار بضع خطوات مماثلة إلي حيث ينام عوده مستلقيا بعرض السرير فالتقطته بهدوء ليوقظه من غفوته عبر ( دوزنة ) قصيرة تنقلت بين أكثر من مقام موسيقي في سرعة متقنة وأداء عظيم وعلي نحو ساحر شاعت في الغرفة البسيطة الألحان الأصيلة في بهاء قل مثيله ، وفي اللحظة المناسبة طفقت حمامتنا البرية من تلقاء نفسها تشدو :

بيني وبينك خمرة وأغاني
فأسكب ، فعمري في يديك ثواني

فرد عليها رياض بجملة موسيقية يصعب وصفها بالكلمات فيما سوت فيروز خصلة شعرها التي نزلت فوق جبينها كشلال حرير وأردفت تهمس :

فما همنا انطفأت نجوم بيننا
 وتوقفت أرض عن الدوران
آه .. لو أحترق الزمان
ونحن برماده في الريح مرتحلان

كان رياض لحظتها منتشيا بحضورها وبصوتها الذي يشع شذي عاطرا تسلل من حقول اللوز والرمان في البيادر التي أبدع الخالق في تكوينها وثرائها .

وأسفر هذا اللقاء علي وضع اللمسات الأخيرة لثلاثة ألحان جديدة. للسنباطي وهديل فيروز التي احتفظت بنسخة ثانية من الشريط الصوتي لأغنية : بيني وبينك للشاعر : جوزف حرب ، بينما الموسيقار العجوز قفل عائدا إلي القاهرة، وبعد يوم وجمعة وشهر وشهرين ، علي أكثر تقدير من هذه الزيارة، قابلت روحه الطاهرة وجه الرفيق الأعلى راضية مرضية لتدخل مع عباده المبدعين في جنته الخالدة .

وبرغم أن هذه الألحان قد آلت ملكيتها الفنية إلي أبنه الفنان : أحمد السنباطي إلا أنها ما تزال حبيسة الأدراج لأكثر من عشرين عاما ، تنتظر بفارغ الشوق موافقة فيروز لتسجيلها في اسطوانات تبعث في الروح بهجتها الموؤدة . فهل نحن علي موعد لا يطول علينا أكثر أكثر مما سبق ، للاستمتاع بهذه الروائع السنباطية؟ .

خليك لا تروح مشتاقة ليك

في كلامها اليومي المعتاد ، نجدها تمتلئ بالصمت ، والكلام عندها مرتبط بفنها ، فإذا كنا نحن الفيروزيون نسمعها بمحبة ووجد ، فأي نوع من الأغاني تفضل فيروز وتمضي وقتها في الاستماع إليها ؟ وجواب علي ذلك صرحت قائلة : إن النوع الذي سمعته وتعلقت به وهو أمر نادر في الغالب لا أمل من سماعه مرارا وتكرارا ، مع هذا النوع ( والكلام لفيروز ) لا أرد إذا رن جرس الهاتف وأنا أسمعه ، بل لا أفتح الباب للطارق من هنا نجد أنها تحب الاستماع إلي الأغاني في وقت لا تتوقع خلاله زيارة أحد ، يستثني من ذلك - أبنها زياد – الذي ( يسقط ) عليها فجأة وفق مزاجه السريالي ومن دون مواعيد مسبقة ، وهو يفعل ذلك عندما ينفض مجلسه الخاص في أواخر المساءات الجبلية الباردة ليحيطها كعاصفة متوحشة شديدة الضجيج والحركة ، ويقطع عليها خلوتها وتواصلها مع أغانيها وموسيقاها المفضلة ، يجري عدة اتصالات هاتفية قصيرة مع غازي ومع سالي ومع طلال ، يجلس إلي البيانو ويعزف مقدمة أغنية ( أنا فزعانة ) ، يقف ويلتقط سترته الجلدية ويلقي بها علي كتفه الأيسر ، يقبل جبين فيروز ويخطرها بتوقيت موعد ( بروفات ) يوم الغد لأغنية ( صبحي الجيز ) وهي الأغنية التي تتحدث عن رفيق لزياد رحباني بهذا الاسم ، الرفيق الذي يقول عنه بأنه تركه علي الأرض وراح . تبتسم له فيروز ، يستدير حول نفسه ويهم بمغادرة المكان ، فتتعلق به وترجوه قائلة :

خليك بالبيت  هلق جيت
راح كون وحيدة وحدي ان فليت
الله يخليك  خليك بالبيت
خليك لا تروح  مشتاقة  ليك
خليك كتير  حبيت عينيك
والله يخليك  خليك بالبيت

فيروز ليست عنيدة كما يقال ، وهي تفكر كثيرا وثقتها بالآخرين قليلة وهي تعمل ما تري أنها مقتنعة به ، والمرأة العنيدة في فيروز وفي غيرها من بنات جنسها نحبذها إذا اتسم هذا العناد عن سبب وليس لمجرد العناد .

ومثلما يقال: أنها عنيدة ، يقال عنها بأنها مترددة ، فترد علي ذلك بأن مشوار حياتها كان صعبا ، مما يضطرها للتفكير كثيرا قبل أن تخطو خطوتها الأولي مع أية أغنية جديدة تقدم لها ، وضمن ما قيل أيضا أن ابتسامتها مكبوتة . هم يقولون ذلك ولا يعلمون أنها طوال حياتها الفنية المديدة قد وضعت فيما يعرف بحبس الرسميات ، كقولهم : عيب ما تعملي هيك ، وهيك ما بيسوي ، لهذا كله وغيره صادروا ابتسامتها ، رغم أنها في حقيقة أمرها دائمة الفرح والابتسام حينما يكون الموقف جدير بهذه الابتسامة أو ذاك الفرح .

وإذا كنا ما نزال بصدد رصد ما قيل لها أو ما يقال عنها بأنها صاحبة إرادة صلبة نجدها تتصدي لذلك بقولها لا أستطيع أن أحقق فنا قويا علي إرادة ضعيفة ، ما قولك ( تسألها صحفية شابة ) عن أن فنك شحيح ؟ فتجيبها فيروز إذا كان المقصود بالشح ( الطلة ) في حفلات متتالية ومتقاربة ، هذا صحيح ، والصحيح أني لم أكن شحيحة منذ أن بدأت أغني .

تحرير المحبين من الرتابة

صوتها بمثابة نعمة من نعم الله علينا في زمن اسودت فيه النوايا وزيفت العواطف وشحت فيه القيم واقتصرت الخيرات علي فئة قليلة ظالمة ، صوتها وحده من دون كل الأصوات ، نعمة استثنائية حررت المحببين من الرتابة والملل لتفتح أمام قلوبهم بساتين العطر والصفاء النبيل ، وعندما نقدم لها الشكر الجزيل علي هذا العطاء الرباني ، يداهمها خجل شفاف وتلوذ ببصرها في الفضاء وتتم بكلمات لا تكاد تسمع وتقول هامسة : أطلب من الله عز وجل أن يظل في عوني ويمنحني المزيد من نعمة الاستحقاق .

ففي أغانيها فيض من الحماية والطمأنينة والإيمان والمغفرة وذوبان الحب واكتماله بذاته ، أغاني تتحول إلي حالة مدهشة يعجز التفسير عن فك كلماتها السرية ، وفيروز هنا لا تشرح هذه الحالة بل تقول في منتهى التواضع والصدق : أنا أغني ولا أعرف أكثر من ذلك .

في حنجرتها ذهب نادر يتناثر فوق باب الحياة ويشع من القنديل الذي تحمله ، يشع نورا يدق علي باب الشوق ويدخله المنتظرون حيث تستقبلهم الأشجار علي اختلاف ألوانها ، وكل شجرة تفرش بساطها الظليل للجميع عن طيب خاطر

فيروز هي الذاكرة ، ذاكرة الناس وحياتهم حيث لم تعد كائنا حيا فحسب ولا صوتا استثنائيا تعيش في فنها ، وسر ذلك أن وعيها لصوتها ينحصر في العطاء والمستوي والتقدم ، وكلما لمست فيروز محبة الناس لهذا الصوت المائي ازداد قلقها وحرصها وخوفها .

بعد رحيل طيب الذكر ( عاصي الرحباني ) انتقلت فيروز بيسر إلي أشعار وموسيقي ابنها زياد وهي تري أن ذلك استمرار لعلاقتها السابقة بزوجها عاصي ، وهي تؤكد أن عملها مع أبنها زياد قد أتاح لها فعلا أن تعيد من جديد تجربة سبق لها أن مرت بها وهي تجربة التجديد والمغامرة الفنية ، وأكثر ما يستهويها في جنون وسريالية - زياد - هو أنه فنان يقوم سلوكه الفني علي التحدي الدائم للذات وعدم استقراره في الروتين .

حكاية الأسوارة

أوبريت ( حكاية الاسوارة ) للأخوين رحباني وفيروز أو ( المغناة ) التي أنتجت في أوائل مطلع الستينيات من القرن الماضي بمشاركة الملحن والممثل الظريف فيلمون وهبي ، والفرقة الشعبية اللبنانية ومن إخراج صبري الشريف ( مخرج معظم المسرحيات الغنائية لفيروز من جسر القمر 1962 إلي لولو 1974 ).

وقصة هذا الأوبريت أو حكاية هذه المغناة ، تجري في قرية صغيرة في الريف اللبناني حيث الهدوء والاستقرار يكون لأي حدث ( حديث ) يجد علي الحياة اليومية كما للصدى بين الأودية ، فالشبابيك هناك تساؤلات حلوة وللدروب علامات استفهام ناهيكم عن سهرات السطوح حيث المواقد كلها تنتعش وتدور علي حكاية لا تكون إلا حكاية

عليا : ( فيروز ) في هذه الحكاية رأت إحدى العجائز تغالب سلة عنب فحملتها عنها إلي البيت ، ونعلم أن هذه العجوز في حوارها فيما بعد مع - عليا - أنها تعيش وحيدة في هذا الكوخ المقطوع علي تلة عالية وتروي لها حكايتها مع زوجها الذي كان يذرع هذه الحقول في همة ونشاط يغرسها بالأشجار المثمرة في الأحراش العارية التي لطالما ركضت في أرجائها ريح الشمال الباردة ، كما مالت في الحديث علي ذكر أطفالها الذين كبروا وابتلعتهم المدينة تتذكرهم وتتنهد ، وتغلفها حالة من الوحشة والحزن وتغيب للحظات عند مشارف أيام بعيدة ولت ولن تعود ، وعلي نحو لا يعوزه الود والمحبة تهدي ( عليا ) أسواره كعربون صداقة ، لربما أسواره عادية ليست ذات قيمة تذكر غير أنها علي أي حال تحمل ذكريات طيبة ككل الأساور التي تحتفظ بها العجائز عندنا في أريافنا وواحاتنا الليبية ، أساور لها مناسبات لا تنسي .

قبلت عليا هذه الهدية بعد تمنع ومن ثم قفلت عائدة إلي العين وراحت صديقاتها يسألنها عن اليد التي وضعت الاسوارة في معصمها ، وهنا أحبت عليا أن تلعب بمخيلتهن ولم تخبرهن بالحقيقة فكانت انبعاث وولادة السر الذي أشعل حزمة هشة من الإشاعات الكثيرة تغذيها قلوب يسكنها الترقب والتطلع إلي الحب ، قلوب متفتحة علي الدنيا من فتيات السبعة عشرة ربيعا ، فتيات يجهدن قلوبهن الصغيرة في سبر أغوار الغموض .

يتطوع سبع ( فيلمون وهبي ) وهو صديق للجميع لمعرفة الفارس أو العريس الذي أهدي الاسوارة ، وتحدث مفارقات كثيرة لا تنتهي ، لكنها تنتهي عندما تأتي عليا من جديد إلي بيت العجوز تحمل لها سلة من عندها عامرة بالتين والزبيب.

من وراء الكواليس

عند مواجهة جماهيرها قبيل كل حفلة ، تبدو وراء الكواليس كصفصافة ترتجف في مهب الريح والخوف عندها أبدا سيد اللحظات المجيدة كما أن الحياة من منظورها صراع دائم مع الذات وهي تؤمن بأن الله هو الرحمة الكبرى والرحيل إليه هو القرب منه ويبقي الحلم عند فيروز العطاء الأجمل .

جورج شحادة الشاعر اللبناني الذي يكتب بالفرنسية والمقيم في باريس منذ أمد بعيد يقول حينما يستمع إلي صوت فيروز :

أغمض العينين للإصغاء وأخضع تماما لصوتها الملائكي . 

أما أنسي الحاج فإنه يشاطرنا الرأي القائل :

إن صوتها حميمي ويشعرنا بأنه لك ولي ولها دون سؤال وهو في الوقت ذاته صوت للجميع ، وكلما أحب الإنسان في الأرض يظن أنه أول إنسان أحب وهكذا صوت فيروز كلما سمعته تظنه قد بدأ معك . 

مسرحية – أيام فخر الدين

أيام فخر الدين ( مسرحية غنائية ) 1967 القصة والسيناريو والحوار : الأخوين رحباني غناء وتمثيل : فيروز بالاشتراك مع : نصري شمس الدين - فلمون وهبي – هدي حداد – سهام شماس – صلاح تيزاني – جوزف ناصيف – محمد مرعي – إيلي شويري – وليم حسواني – رينه حسواني – سعيدعازار – ميشال حاج – ملحم بركات - روجيه عساف – مادونا غازي – أندره جدعون . أخرجها للمسرح : صبري الشريف - و مسجلة علي ثلاث اسطوانات من الحجم الكبير .

ترجع أحداث هذه المسرحية الضخمة إلي سنة 1618 . الأمير فخر الدين يعود عودته الثانية من – توسكانا - فيستقبله الشعب استقبالا حماسيا ويقدم له الهدايا كعربون للمحبة. ويعلن الأمير لشعبه مشاريعه، لبناء المستقبل.

ويطلب فخر الدين من ( عطر الليل ) أن تغني لبنان. لتحييه في نفوس الشعب وترسخ حبه في ضمائرهم. وتستصعب ( عطر الليل ) المسؤولية. لكنها ما لبثت أن تأخذ في السير مع الشعب وبينه تغني .

يبدأ فخر الدين مشروعه في تعمير الوطن. لكن للخير، حتما، وجها آخر هو الشر. الكجك أحمد هو أحد ( بلوكياشية ) الأمير. تربي عنده ولما طلب من الأمير وظيفة خاصة ، رفض الأمير وعينه في وظيفة أخرى. فحقد ( الكجك أحمد ) وصار يتآمر علي فخر الدين مع إحدى الأميرات اللواتي طغي نفوذ الأمير على نفوذ عائلاتهن . ويوغر ( الكجك أحمد ) صدر السلطنة علي فخر الدين . موهما إياها أن الورشة القائمة في لبنان من شانها أن تهدد مصالح اسطنبول .

في هذه الأثناء تكون اسطنبول قد أرسلت إلي الأمير لقب ( سلطان البر ) وسلمته سنجق نابلس وعجلون وما كان ليرضي باللقب وهو الذي كان يأبى ذلك. لو لم يكن جده قد حمله قبله . وبعثت إليه اسطنبول كذلك بكتاب تشير فيه عليه بوقف تعمير لبنان لأن في تعميره خطرا علي السلطنة ويكون جواب فخر الدين أن تعمير الوطن غايته الصداقة . ويرفض الوالي مصطفي باشا أن يعترف للأمير بولاية نابلس وعجلون ويهاجمه ، فتكون موقعة عنجر . وينتصر المير ويطلع الوالي علي الحقيقة ويطلق سراحه.

ويزيد انتصار فخر الدين في عنجر من كراهية - الكجك أحمد والأميرة اللبنانية - فيقرر الكجك أحمد الذهاب إلى اسطنبول لتحريضها علي محاربة فخر الدين، بعد انتصارهم علي العجم . وتخاف الأميرة اللبنانية من فكرة الحرب فتحاول إقناع الكجك أحمد بالعدول عن السفر وبالتفكير بوسيلة أخري لكنها تفشل، ويذهب الكجك أحمد إلي اسطنبول. وتلتقي ( عطر الليل ) والأميرة الحاقدة وسرعان ما تنوء الأميرة تحت الشعور بالخطأ ويعضها الندم.

تجارة لبنان تزدهر ، والمراكب لا تنقطع عن حركتها. فجأة تعلن الدولة العثمانية أنها جيشت مئة ألف عسكري بقيادة الكجك احمد لمحاربة فخر الدين. وكان عند فخر الدين خمسة وعشرون ألف جندي فقط . ونشبت الحرب. وقاوم اللبنانيون ببسالة . ولبثوا ينتظرون موسم الشتاء ليعينهم علي رد هذا العدد من جيش العدو.

وتقع الحرب في نفس ( عطر الليل ) موقع الألم ويهدي فخر الدين من عذابها حين يقول لها إن القضية قضية بناء وطن وأن عليه أن يثبت لشعبه ولعدوه علي السواء وأن لبنان جدير بالحياة ، قادر عليها . ويعمل والد ( عطر الليل ) علي تهدئتها وزرع الثقة في نفسها ، عندما يقول لها إن أحلام الكبار كبيرة، ومن واجبهم أن يدافعوا عنها. فقدر فخر الدين من قدر الوطن، وكلاهما أصبح مصيرا واحدا .

وفي النهاية.. يعتصم فخر الدين بمغارة جزين. وذات يوم تتمكن ( عطر الليل ) من الوصول إليه فتجده وحده مع المتبقين من أصدقائه. ويكون موسم الشتاء، الذي انتظره المواطنون ليعينهم علي أعدائهم ، قد تأخر ولم يستجب ، ويكون أحد جنود ( السكمان ) قد خان وأفشي لعسكر السلطان بمكان مخبأ الأمير ، فيجرد العثمانيون حملة ضخمة بقيادة الكجك أحمد ويحاصرون المغارة ، ويطلبون من الأمير الاستسلام .

وتحاول حامية فخر الدين الدفاع عنه. فيكون جوابه لهم: ما حصل يكفي . يجب أن لا نهدم ما بنينا. لقد قلنا ما كان علينا أن نقول والآن أصبحت المساومة علي وحدي. ولا تصدق ( عطر الليل ) انه سيترك الوطن، وتسأله كيف سيفعل ذلك. فيسألها إن كان لبنان قد تعمر والأراضي زرعت والجسور رُفعت ، فتجيبه إن ذلك كله صار ، فيقول عندئذ: وما هم ذهابي . فالوطن سيبقى. ويستسلم فخر الدين فاديا لبنان.

وتحزن ( عطر الليل ) وتغني أغانيها الحزينة غير أن الحزن في نهاية المطاف يشع ، ويتفتح كالوردة، منقلبا إلي سرور وإصرار على الفرح وتدوي أغاني ( عطر الليل ) على شفاه الشعب ويستمر البناء .

بيت عائلة الرحباني

صباح يوم السبت 21 .6 . 1986 - انطفأت شعلة قنديل عاصي الرحباني وكان قبل ذلك بأسابيع قد دخل في غيبوبة عميقة وكان بين حين وآخر يسترد عافيته الهاربة لدقائق وفي هذه الدقائق النادرة من عمر الإبداع يتمتم بكلمات خافتة وعاجزة ، عن جفاف البحر واعتقال النوارس في أغنية لم يمهله القدر كي ينتهي من صياغتها جاء في مطلعها قوله ( أفتحيلي .. أفتحيلي قتلني الصفير والبحر مالو صوت .. دخيلك أفتحيلي ) غير أن الكلمات العذبة تحجرت علي شفتيه ، واسترخي لسانه عن الحركة رويدا رويدا، أغمض عينيه ودخل في غيبوبته من جديد .. دخلها راضيا مرضيا ولم يخرج منها بعد ذلك أبدا .

غاب عاصي وأخذ معه تلال الصنوبر وأيام الصيفية والبحر وأوراق الألحان الجميلة وغاب إلي غير رجعة ، وفي مقبرة تقع علي تلة الغوارنة في انطلياس تركوه لوحده يغادر العائلة ، تركوه وحيدا وهو الذي سكن قلوب الناس بموسيقاه البديعة وأشعاره الرشيقة .

في ذكري الأربعين وضعت الدولة ( بلاطة ) تذكارية علي بيت أم عاصي ، تخليدا لهذا البيت الذي شهد مولده ومولد الأعمال الرحبانية الخالدة .

وفي السنة الثانية لرحيله جاءت ديناصورات الهدم إلي بيت العائلة بأمر معتمد من البلدية وتوقفت أمامه وأخرج كبير المهندسين لفافة من الأوراق الشفافة وطفق يشرح خطة الاجتياح لأعوانه وللفضوليين علي حد سواء ويعدد الحجج التي ترمي إلي توسيع الشارع لصالح حركة السير وما شابه ذلك من ادعاءات باطلة كانت وراء إزالة الكثير من المدن العربية القديمة.

ففي أنطلياس ووسط دهشة الناس وخوفهم علي بيوتهم وعلي نباتات الزينة التي تتسلق النوافذ والشرفات صدر أمر الإعدام ، إعدام من نوع آخر، وفي لمح البصر وكأي بيت فلسطيني في القدس الشرقية هاجت من حوله هاتيك الآلات الفولاذية العملاقة لتكتسح في لحظات بيت العائلة والبلاطة التذكارية معا وتجرف أمامها العريشة التي تغنت بها فيروز في أكثر من أغنية كقولها : تحت العريشة سوي قعدنا سوي وقلنا .

عصفورة صغيرة من عصافير الدوري تعرف عاصي ويعرفها وتعرف فيروز ، هذه العصفورة طارت مذعورة من عشها لتسأل طائر السنونو الجوال ، عما يحدث ويجري للبيت الجميل فقال لها من دون أن يتوقف عن الطيران : لا عليك يا عزيزتي ابحثي لك عن عش آخر في الأحراش البعيدة ، وأردف يقول من دون أن يتوقف عن طيرانه المنخفض : ألم أقل لك مرارا أن لا كرامة في هذه الضيعة للعصافير المغردة .

لف عصفور الدوري أجنحته حول جسده النحيل وطار علي عجل ليحط فوق صخرة الروشة لا لينتحر بل ليبكي عاصي بطريقته علي انفراد.

وهكذا أختفي بيت الرحبابنة من الوجود كما غاب عاصي من حياتنا الفنية وكان لوقع هذا الغياب أثره المؤلم علي فيروز وظلت لفترة تكابر وتخفي أحزانها .. تكابر وتخفي آهاتها لكنها لم تتخلي عن مشاعرها الكريمة أبدا .

نزار الثاني

صديق فيروزي - إذا جاز التعبير - التقيت بهذا الصديق بمحض الصدفة علي سلالم مبني جمعية الدعوة الإسلامية في بنغازي وكنت لحظتها متجها للدور الخامس لأسباب تتعلق بتجديد اشتراكي في شبكة الإنترنت بينما هذا الصديق يغادر المبني ، تعلق بذراعي وبادرني بالقول : أتابع مقالاتك الرشيقة حول سيدتنا فيروز أتباعها بحرص وإعجاب ولكنني مشفق عليك !! كيف ستنهي هذه الدارسة القيمة ؟ ولما أجبته بابتسامة طوق خصري بذراعه ودعاني إلي فنجان قهوة في كافتيريا حالمة بالدور الأول ، وهناك لم يبتعد الحديث بيننا عن فيروز والرحبانة وحين جاء ذكر نزار قباني في سياق الكلام أحسست بنشوة عارمة وقلت له : نزار هو اليوم ضيف في بيت أبنتي فيروز . نزار الذي عرفته في عام 1959 وابنتي فيروز التي رزقت بها سنة 1967 قد أنجبت اليوم مولدا أسمته نزار .

فقال بما معناه : يا بختك نزار وفيروز في بيت واحد ، فيما عرجت هذه الدردشة بيننا علي سيدة المسرح نضال الأشقر والقاصة الفنانة غادة السمان .

وعن سر هذا الحضور الباهر للمرأة العربية في مجالات إبداعية شتي ثم عاد ليستدرجني من جديد حول سيرة الحمامة فيروز وماذا أعد في الحلقات القادمة ضمن هذا الاتجاه ؟

هنا أعلنت له أن مجمل الحلقات السابقة لا تمثل إلا الفصل الأول بينما الفصول التالية - ولم أخبره عن عددها - سوف تحتوي الصور النادرة لفيروز وهي ما تزال في العاشرة من عمرها وصور أخري للعبقري زيادة في مطلع طفولته، ناهيكم عن صور أغلفة التسجيلات وحفلاتها الموسيقية في أنحاء عديدة من هذا العالم . وقبل أن نفترق قلت له :

فيروز يا صديقي تغني وفق مزاجها وحيث ترغب ، لا تغريها المبالغ الطائلة ولا الصكوك التي تعد علي بياض نظير موافقتها المسبقة والتي تتعارض مع مكانتها الفنية و مواقفها الرفيعة للغناء في ذاك البلد أو غيره . 

ففي عام 1957 زار لبنان شاه إيران وأراد كميل شمعون أن يحتفي بضيفه الكبير وهنا قفزت إلي خاطره الرئاسي فكرة مفادها أن يقيم لضيفه الفارسي المرموق حفل عشاء موسيقي يليق به في القصر الجمهوري بالقنطاري ، وعلي الفور صدرت التعليمات للإتصال بالاخوين رحباني كي تغني فيروز في هذا الحفل المخملي ، فأخبرهم عاصي بثقة إن فيروز لا تغني في البيوت حتى لو كان هذا البيت القصر الجمهوري .

أما في عام 1976 وكانت المناسبة انعقاد مؤتمر القمة العربي في القاهرة ، رأي الرئيس اللبناني اليأس سركس أن ينتهز فرصة وجود فيروز في العاصمة المصرية أثناء تقديمها لبعض الحفلات المتفق عليها سلفا بأن يقيم للزعماء العرب حفل لبناني متميز تحضره فيروز وبالفعل تم الاتفاق علي ذلك في مسرح الأندلس وهو من المسارح الصيفية المفتوحة علي السماء .

وعلي نحو لم يكن في الحسبان عند فيروز وعاصي ، أصدر الرئيس السادات أوامره العاجلة للانتقال بالضيوف وفيروز معا إلي قاعة مغلقة بفندق هيلتون لأسباب قيل أنها أمنية بحتة ، فثارت ثائرة عاصي وغضبت فيروز وقال عاصي مثل هذه الأوامر تعطي للعسكر وليس لأهل الفن من وزن وقيمة فيروز ، وبسرعة جاءت السيارات الفخمة لتنقل الملوك والرؤساء العرب إلي هناك ، وغابت فيروز .

الأكذوبة والعدو الوهمي

في مطلع العام 1965 وفي ليلة صيفية من ليالي جبل انطلياس قال صديق الرحابنة رجا الشوربجي لعاصي لماذا يا صديقي بعد كل هذا النجاح لا تلجون مجال السينما خاصة وأنه يتوفر لديكم فيروز بكل جلالها وحضورها المؤنس وعندكم الألحان الضخمة والأشعار الرشيقة ، والفرقة الشعبية في متناول إشارة منكم لتلبية هذا النداء في أي وقت ترغبون .. لماذا لا تقومون بتحويل واحدة من مسرحياتكم الناجحة إلي فيلم سينمائي ؟

ومثل البرق الخاطف لمعت هذه الفكرة في مخيلة عاصي وفي مساء اليوم التالي تحلقت العائلة الرحبانية علي مائدة هذا الاقتراح بصحبة المخرج المصري كامل التلسماني باعتباره المستشار الفني لهذه العائلة .

وتشاء الظروف أن يصل إلي لبنان المخرج يوسف شاهين الذي تحمس للعمل مع فيروز وعندما علم المنتج نادر الأتاسي بما يدور في الأروقة الرحبانية أتصل بهم علي الفور ليعرض مساهماته ، وبالفعل وقع الاختيار علي مسرحية ( بياع الخواتم ) لستند مهمة الإخراج للفنان يوسف شاهين .

تقول حكاية هذا الفيلم أن أغلب التصرفات بين الناس تبدأ بكذبة وعادة ما تكون أشبه باللون الأبيض علي قماشة الرسم في مستهل فعل التشكيل ، وحين تطالها الألسن والشفاه تضاف إليها ألوان أخري لم تكن في الحسبان مثل الأصفر المشتعل والأحمر الدامي وأزرق السماء وغير ذلك من الألوان العظيمة والتي يتعامل معها كبار الرسامين من وزن وقيمة الهولندي فان جوخ .

ففي قرية بعيدة من قري الجبل اللبناني ، فيها كل ما فيها ، مختار يبسط حمايته علي الأهالي بسحر الأكاذيب وشاويش يفرض سطوته علي دوريته ليل نهار ، ومشاكل لا تعد ولا تحصي بين المتزوجين وأحلام فتيات في عمر الياسمين وفتيان من ذوي الحناجر البديعة ، وكلما صغرت القرية وضيقت عليها الخناق المدن الكبيرة كلما ازداد الناس فيها بحثا عن حكاية تلهب خيالهم .. تخدرهم ، وتستولي علي الإعجاب . وهنا تقدح مخيلة المختار ( نصري شمس الدين ) بكذبة صاغها بعناية كي يستمر في تأكيد أهميته ويبتدع أكذوبة عن مجرم وقاطع طريق اسمه : راجح ويروي لهم كيف تصدي له في الوديان وفي الأحراش كي يمنعه من دخول القرية لسلبها ونهبها وقتل الأبرياء .

وحينما نفرغ من مشاهدة هذا الفيلم البديع ، نتذكر أن المسرح الليبي في سنة من سنوات تألقه في السبعينيات قد تطرق هو الأخر إلي هكذا موضوع مع اختلاف في التفاصيل ، ونعني بذلك مسرحية : العفريتة التي عرضت بنجاح علي خشبة المسرح الشعبي في بنغازي .

فراجح عند الرحبانة والعفريتة لدي المسرح الشعبي ، وجهان لعملة واحدة ، أكذوبة عن عدو وهمي أو تصرف خبيث أشبه بحكاية ( كيس الفئران ) المشهورة في واحدة من أدبيات الخلافة العربية في الأندلس والتي طواها الزمن ليس بفعل الصراع علي السلطة كما تزعم مؤلفات المستشرقين وإنما للاستحواذ بأي ثمن حتى لو أدت الرغبات الجامحة للتنازل عن قصر الحمراء للغواني الروميات واللواتي في عيونهن حور تحديدا ، وهذا ما حدث بالضبط في نهاية المطاف .

والمراد من هذه الحكاية كما يوضح ابن رشد ( في أحد كتبه التي ضبطت مع أحد تلاميذه في محاولة لتهريبها إلي روما في جمارك مطار قرطبة وحرقها مع غيرها فيما بعد في احتفال تكفيري مهيب ) أن تظل الفئران داخل هذا الكيس في حالة هيجان وقلق دائم بحيث لا يتمكن أي جرذ مهما كان ذكيا أو متميزا في قرضه للشعر أو أكواز الذرة ، أن يفكر في وضعه الراهن المضطرب أو التخطيط للنفاذ من هذا الكيس طالما أنه يهتز بداخله علي الدوام ، وفي هذا ما يطيل عمر المختار في المختارية والشاويش في محاولاته المضنية للقبض دون طائل علي راجح حيا أو ميتا باعتباره إرهابيا من المطلوبين للمثول أمام عدالة أهالي القرية.

ريما ( فيروز ) ابنة شقيقة المختار تنطلي عليها هذه الكذبة وتثني علي خالها أمام جمع من القرويين ، غير أنها تتعب من تمثيل دور الزور وتسأل خالها حينما ينفردان : لماذا تصر يا خالي علي مطاردة راجح طالما أنه لم يقم بأي فعل عدواني حتى الآن ؟ الخال أو المختار يخبرها صراحة أنه لا وجود لراجح أبدا ، وأنه أخترع هذه الشخصية ليوهم الناس بأن مختارهم يحميهم ويستميت في الدفاع عنهم ، ويسقط - كما يقال - في يد ريما وتستفظع هذا الإدعاء العاري من الحقيقة ، غير أنه وكأي مختار كذاب يؤكد لها أن ما فعله ليس كذبة وإنما مجرد حكاية ، حكاية تعززها الأشعار وتستنهض همم الأهالي وتوقظ فيهم مجاهل الأشياء .

الإرهاب في فيلم : بياع الخواتم

ولكي نربط الأحداث السابقة باللاحقة ، نذكركم بأن ريما ( فيروز ) في فيلم بياع الخواتم بدأ يساورها الإحباط فيما قاله المختار ( نصري شمس الدين ) حول راجح وكيف خلقه من ذاكرته الوجلة في محاولة خادعة كي يظل مسيطرا ومهيمنا علي مقدرات أهالي الضيعة أطول فترة ممكنة في موقع المختارية ، غير أن ثمة من يكتشف هذه الأكذوبة ويوظفها لصالح أغراضه الخبيثة ، عيد ( ايلي شويري ) وفضلو ( جوزف ناصيف ) يسمعان خلسة الحوار الدائر بين ريما وخالها المختار حول راجح وينتهزان الفرصة ويقومان في الخفاء بالتخريب والسرقة ، بل أدي بهما الأمر إلي وضع قائمة بالمستهدفين من أهل الضيعة ، أولهم وأهمهم في تقديرهما يكون المختار نفسه .

والمختار كرمز للسلطة كما هو وراد في أحداث فيلم : بياع الخواتم ، تنقلب عليه كذبته وبالا شديدا لا يعرف كيف يصلحها ، فكل كذبة تصدر عن المختارية تصبح بوسائل الترويج والقيل والقال مضافا إليها ملتقيات السمر إلي حقيقة واقعة لا مفر منها فقد تحولت الضيعة الآمنة بين ليلة وضحاها إثر ذلك إلي قرية مرعوبة عاث فيها الفساد وطال الدمار البنية التحية لاقتصادياتها وتصحرت أراضيها الزراعية وأصيبت عصافيرها المغردة بداء فقر الدم ، وفي هذا المناخ المأساوي صارت كل سرقة أو جريمة تحدث تنسب بيسر إلي راجح ، وماذا في مقدور المختار أن يصنع وشاويشه والدورية المدججة بالسلاح عاجزة عن أي فعل إيجابي ، وعيد توديع العزوبية علي الأبواب.

وعلي نحو غير متوقع يظهر من بين الأحراش رجل غريب يؤنس نفسه علي إيقاع خطواته الثقيلة بأهزوجة رتيبة عن غربة المسافرين ووحشة الطريق ونلمحه في لقطة واسعة يحمل علي كتفه كيسا كبيرا وعندما يقترب من الكاميرا تتضح لنا ملامحه الجبلية علي وجه جاد غير حليق ، وبمجرد دخوله للقرية يسأل أول من يأتي في طريقه عن المختار وكان سؤاله هذا يقابل في كل مرة بالصمت والريبة وبهروب الناس منه ، ويتساءل راجح بينه وبين نفسه ماذا أصاب هذه القرية ؟

راجح الطيب

راجح يذرع الضيعة وحيدا إلي أن يلتقي بريما ( فيروز ) ويسألها هي الأخرى عن المختار فتسأله بدورها عن نفسه وماذا يريد من المختار ، وفي بساطة متناهية يقول لها أن أسمه راجح فلا تصدق ما سمعت وتقول أنت راجح حقا ، فيطلعها علي هويته الشخصية ، أجل الصورة صورته والاسم راجح كفوري مولود ومقيم في ضيعة السنديانة العتيقة . تتطلع ريما مجددا إلي راجح وإلي صورته في الهوية وتسأله متي يرغب في مقابلة المختار فيجيبها راجح متي شاء المختار وفي أي وقت يشاء .

ينقلب المختار الجسور إلي عصفور مذعور عندما تخبره ريما بأن راجح الأكذوبة قد صار حقيقة وأنه إنسان مثلنا علي عكس ما تصورناه إرهابيا يفتك بالأبرياء ، فيقول لها المختار وقد عضه الندم من أين طلع لي راجح هذا هل خرج من رحم الحكاية ؟ أم من جوف الأكذوبة ؟ ولماذا ظهر الآن تحديدا و في زمن احتفالاتنا المقدسة بتوديع أيام العزوبية.. ولماذا .. ولماذا .

وبرغم هذه التطورات غير المتوقعة تشتغل الضيعة بالغناء والإيقاعات الراقصة غير أن ذلك لا يدوم طويلا كما تشتهي حناجر الشباب وأرداف الصبايا فبمجرد وصول شخص غريب يخيم علي الساهرين صمت مشوب بالخوف والدهشة معا ، صوت واحد وسط هذا الوجوم العميق .. صوت ريما يقول : يا خالي هذا راجح . فيتجمع حوله الأهالي غير مصدقين ، فيلتقطه المختار من بينهم ويأخذه جانبا ويسأله بصوت خافت : هل ولدت مثلنا من أبوين كسائر الناس ؟ ثم يكرر السؤال بصيغة أخري : من أين جئت وكيف ؟ أ أنت ظاهرة خارقة أما ماذا ؟ .

يسأله راجح ماذا جري لعقلك أيها المختار ..أنا إنسان كسائر الناس ولي من الأولاد ثلاثة وفوق كل ذلك أنا راجح أنا بياع الخواتم أشهر من أن تتجاهلني قريتكم هذه . جئت إليكم حين علمت أنكم تحتفلون هذه الأيام بأعياد موسم الخطبة ، جئت إليكم أحمل هدايا السرور كبائع للفرح كي أزين أصابع الصبايا بخواتم المحبة .

وبذكاء عُرف عن مختار ضيعة - صوت الريح - ينتهز تداعي الأحداث ويوظفها لصالحه وعلي الفور يعتلي منضدة خالية تقف وحيدة علي جانب ليس ببعيد عن ساحة الرقص ويعلن للجميع أن راجح هذا غير راجح الشرير الذي ابتلعته الأحراش البعيدة إلي غير رجعة بينما ضيفنا هذا هو راجح الطيب الوديع ابن ضيعة السنديانة العتيقة .

وبدلا من أن يقوم راجح ببيع الحلي والخواتم يقدمها للجميع كهدايا إكراما لعيني ريما التي يطلبها من خالها خطيبة لأبنه مسعود وتوافق ريما في الحال علي اعتبار أنها وخالها قد اخترعا هذه الكذبة . ومرة أخري يشرح المختار لأهالي الضيعة كم هو يحبهم وكم يفكر فيهم وفي مصالحهم ، ومرة أخري يستشهد بريما عما حدث .

الباب في أغنية فيروز

عقب زيارتها لمعرض الأبواب للفنان الضوئي أحمد العريبي ذلك المعرض الأنيق والذي أقيم بمجلة ( البيت ) تحت عنوان : معرض اليوم الواحد ، تقول ( رزان المغربي ) في صحيفة الشمس :

أحمد العريبي من أين أتاه هذا الولع باستحضار ذاكرة الأبواب هل لأن للباب صوت وأنين أم لأنه يخبئ خلفه أسرار وحكايات وهو الحريص الممتنع عن البوح .

وفي جولتها هذه تقف رزان أمام أحد الأبواب العتيقة للمصور أحمد العريبي وتصفه لنا بقولها :

هذا الباب المشغول من خشب الحور النابت علي تخوم السفوح وفي المزارع الخصبة أشجارا منتصبة خضراء ، هرمت فصنعتها اليد واستلمتها أبوابا مشغولة بروح الماضي . 

جوزف حرب ومن قبل أن تري عيني رزان النور ومن قبل أن يتعرف أحمد العريبي علي الكاميرا استهل تعريف الأبواب في لحن لفيلمون وهبة ، تعريف ملئ بالأشواق والحزن الأصيل ، عبر عنه في أداء بديع صوت سيدتنا فيروز هكذا:

فى باب منوقف تنودع الأحباب
نغمرهن وتولع ايدينا بالعذاب
وبواب .. بواب شي غرب
شي مسكر وناطر تيرجعوا الغياب
آه البواب

الناقد التشكيلي شاكر لعيبي وفي أحد أعداد مجلة : ( نزوي ) العمانية يقرأ لنا الباب برؤيته البصرية بما نصه :

عندما يتوقف المرء لكي يتأمل الباب العربي في ثنايا المدينة العتيقة ، وإذا كان هذا المرء مهتما بعض الاهتمام بقضية الفن البصري فسيكون بإمكانه أن يتساءل فيما إذا كان ينبغي اعتبار هذا الباب ضربا اصليا من ضروب الفن الإسلامي وإنجازا كاملا من منجزاته .

وقبل أن يلج بنا شاكر لعيبي إلي المزيد من التفاصيل التشكيلية للباب العربي يتحدث مطولا عن حامل الرسم الغربي وتطوره ثم يعرج علي اللوحة الفنية بتعريفاتها التقليدية ومقاساتها وبخاصة قماشة الرسم ويفيدنا بأنها أي هذه القماشة قد ظهرت لاحقا نتيجة ازدياد النشاط التجاري وتحول اللوحة برمتحها إلي بضاعة تباع وتشتري بينما الفن الإسلامي عبر تاريخه الفني العظيم لم يتعامل مع أنماط اللوحة الغربية أبدا سواء كانت علي القماش أو علي الخشب التي هي بهذه المناسبة إنجاز متأخر في تاريخ الفن وتاريخ الفن الأوربي نفسه .

يصير الباب عن جدارة خالطا في مجال عمله جماليات الفن الإسلامي ووظائفه فالباب من وجهة نظر هذا الناقد القدير يشكل من ناحية المصطلح الذي يشغلنا مثاليا ينقل المدلولات الرمزية وتصورات الفن الإسلامي الفلسفية التي طالما أشيعت درسا في بحوث كثيرة إنه المربع التجريدي المثالي لممارسة الرسم العربي التجريدي ، فقد ظل هذا الباب حتى اليوم حاملا لهذا الرسم ولكن بطريقة تنسجم مع وضعيته داخل المدينة وضمن التقنيات اللونية والمادية المفروضة عليه .

ومن خلال من أتيح لي من تصفح مواقع الإنترنت المخصصة لسيدتنا العظيمة فيروز فإن الكاتبة هدي الدعفق تقول :

الباب في تأويل الشاعر اللبناني جوزيف حرب أبعد من ذلك الباب الذي نألفه وهو فاتحة كل بيت نعبره سريعاً دون تأمل، وهو في نظر هذا الشاعر رمز بعيد لروح ساكنة ومن هنا رأي أشكالاً من الأبواب ليس الاختلاف بينها اختلافاً شكلياً خارجياً في النقوش والألوان وخامة الباب وما إلي ذلك من جزئيات ، ومن خلال صوت الريح والمطر والغربة والأشواق تتمنى فيروز الأمان والاستقرار وخاصة عند ربطها هذه الأبواب بالزينة وهنا يشع من علي شفتيها الحزن والاغتراب في أداء يهطل بالعطر والرياحين .
فيه باب غرقان بريحة الياسمين
 فيه باب مشتاق
فيه باب حزين
 في باب مهجور أهلو منسيين
هالأرض كلها بيوت
 يا رب خليها مزيني بابواب
 ولا يحزن ولا بيت ، ولا يتسكّر باب

نعود ثانية إلي رزان المغربي ونقتطف آخر فقرة من مقالتها الرشيقة في صحيفة - الشمس :

ذاكرة الأبواب في نصوص ضوئية للمصور أحمد العريبي هذا الفنان الواعد حمل عدسته واقتحم يكسر صمت متواطئ علي تغييب ذاكرة الباب التي استقبلت زغاريد الأفراح وخبأت أسرار الزمان فأتت تلك النصوص الضوئية لتكون ديوانا مودعا داخلنا مشتغلا عليها .

وأكثر الأبواب التي تشغل بال فيروز ، باب أطلقت عليه اسم باب العذاب ، باب لقلب آخر عمره وقف على انتظار من هم خارج بابهم .

وقت اللي بلوّح لك
وبسكّر الباب ياخذني الحنين
بفكر رح اشتق لك
بفكر عاهالباب رح انطر سنين
آه يا باب المحفور عمري فيك
رح انطر واسميك باب العذاب
آه .. البواب. 
السيدة التي تنحني لها النجوم

للعام 1956 ذكرى خاصة في نفس السيدة فيروز، فقد رزقت بابنها الأول زياد، ومع هذا العام بدأت إطلالات فيروز والرحابنة في مهرجانات بعلبك، وزادت شهرة هذا الثلاثي المكون من فيروز والأخوين رحباني، وبدأت حفلاتهم تجوب العالم، وكان لأغنية راجعون صداها الكبير. ولم تكتف فيروز بالغناء للأخوين رحباني، بل تعاونت مع عدة ملحنين ، مثل فيلمون وهبي، وحليم الرومي، ومحمد محسن، ومحمد عبد الوهاب، واستقرت بالنهاية تغني من ألحان ابنها زياد الرحباني. وكانت حفلاتها ناجحة في جميع أنحاء العالم، فلم يكن يخلو مقعد من مستمع في حفلاتها، فقد غنت في قاعة ألبرت هول في لندن، والأولمبيا في باريس، وغنت أمام أهرامات الجيزة في مصر وفي مدينة نيويورك.

وحصلت على عديد الجوائز خلال مسيرتها الطويلة، كانت البداية مع وسام الأرز اللبناني من رتبة فارس عام 1962، ووسام الاستحقاق السوري بعدها بخمسة أعوام. ووسام النهضة الأردني من الدرجة الأولى، ووسام الفخر الفرنسي من رتبة قائد عام 1988، وتسلمت عام 1997 مفتاح مدينة القدس وجائزتها، ووسام الثقافة الرفيعة من تونس عام 1998. ولا يدل هذا إلا على مكانتها البارزة في حركة الأغنية العربية. فهي حين تغني كل صباح يتوقف الزمن ويُستبدل بالصوت، فتصير الدقائق كلمات، والثواني ألحان، وينسى المرء الوقت وما يعنيه، ويتولد الإحساس الذي ما عرفه الإنسان يوماً، إحساس أن الحياة كلها مجرد نغمة صباحية لا تعرف النعاس..

إبان الحرب اللبنانية، لم تترك السيدة : فيروز لبنان، بل ظلت فيه رافضة النزوح منه، ممثلة بذلك أعلى درجات حب الوطن والانتماء. وحتى حين فقدت ابنتها ليال بعد أن تعرض منزلها لقصف صاروخي ظلت على موقفها. وبقيت طيلة فترة الحرب منقطعة عن الغناء في لبنان، حتى لا تُحسب أنها منحازة لفئة ضد أخرى. وما أن سكنت رحى الحرب مع بداية التسعينيات حتى أهدت شعبها ألبوم " كيفك إنت " حملت كلماته وألحانه توقيع ابنها زياد الرحباني، ثم أقامت حفلاً كبيراً في بيروت عام 1994، ثم عادت إلى بعلبك بعد طول انتظار عام 1998، ومن بعدها أحيت لسنتين متتاليتين حفلات ندر مثيلها في مدينة بيت الدين الأثرية.

يحلو لكثير من جمهور فيروز الاستماع لغنائها صباحاً. فلصوتها سطوة على السمع ، ولوقعه على الأذن صدى يقربه أكثر فأكثر إلى أعماق النفس ومكنوناتها. صوت فيروز يعطي أملاً،ويضفي على الجو رونقاً. فغناء فيروز الشجي هو أقرب إلى الصلاة منه إلى الغناء. فيه يرى السامع نفسه، ويقترب أكثر فأكثر من ذاته مانحاً نفسه وقتاً أطول مع صوت يعكس النفس في المرآة ، فتبدو في أبهى حللها، لابسة لبوس عيد من نوع آخر، عيدٌ تتراقص فيه الألحان تحية للسامعين، وتتوالى فيه الكلمات جزيلة تعطي اللحن جمالاً ، وتأخذ منه أبهة.

و حين يكون ذلك الصوت الفيروزي الساحر متجاوباً معهما صعوداً وهبوطاً، كما يكون دائما، يصنع جواً تتآلف فيه أصوات الكمنجات و النايات جنباً إلى جنب مع الكلمات، فتنساب الأحاسيس ولا يعرف لها بداية أو نهاية ويظل السامع على حالته هذه ثملا يتمايل طرباً معها متمنيا البقاء هكذا إلى أن يتلاشى الصوت المائي مبقيا في الأذن رنات من الأسى وبريقاً لامعاً دالا على حدة الصوت ونعومة نصله. هذا الخليط الساحر، يعلق في الأذن ولا يبرحها، يبقى فيها أبداً، متسللاً إلى أعماق القلب، حيث يسكن ناثراً عطره

البعلبكية

البعلبكية - مغناة من بواكير روائع الرحابنة وسيدتنا الكريمة فيروز بالاشتراك مع نصري شمس الدين كمطرب وفيلمون وهبة كملحن لبعض الأغاني ، وتقع هذه الحكاية الموسيقية في أربعة فصول مقسمة إلي قسمين ، وكان من نصيب القسم الأول الفصول الثلاثة الأولي أما الفصل الرابع فناله بشكل منفرد القسم الثاني حتى منتهاه ، وهذه المغناة تروي قصة فتاة من مدينة بعلبك اللبنانية وعرضت ضمن فاعليات مهرجان بعلبك الدولي السادس في الفترة من 19 يوليو ولغاية الأول من سبتمبر 1961.

الفصل الأول يتحدث عن رحيل الآلهة وفق المعتقدات القديمة لمدينة بعلبك التي تهدمت فأعتزم هؤلاء الآلهة هجرها ولكنهم في خضم ذلك أحبوا أن يأخذوا برفقتهم إحدى فتيات المدينة ( البعلبكية - فيروز ) التي غنت :

بعلبك أنا شمعة علي دراجك
وردة علي سياجك
أنا نقطة زيت بسراجك

وبعض الأغاني الرفيعة الأخري . والفصل الثاني يحمل عنوان : بين الناس وفيه البعلبكية ذات الصوت المائي تمضي بنا في الزمان وتطوف علي الأحياء تغني مع الناس في أنشودة وصفت في حينها وما تزال بأنها تبدد السأم كما غنت في هذا الفصل للراعي وعملت علي نقله نقلة أنيقة ذهبت بعنائه ، من هذه الأغاني دخيلك يا أمي ورائعة سعيد عقل :

ومشوار جينا عالدني مشوار
 كذبوا مين بيقول كذبوا مين
 إمبارح بنومي بصرت أني ع زنده طرت
 وأرض مفروشة تحتنا ياسمين
وصح الحلم شو صار 
ومشوار جينا عالدني  مشوار 

والفصل الثالث في هذه المغناة يعرف باسم حكاية العود وخلاصته أنه في ليلة ناعمة من ليالي الصيف يهطل ضوء القمر علي عود منسي فوق أدراج الهيكل حيث ملعب الزمان ، فتأتي إليه البعلبكية ويدور بينها وبين العود حديث رقيق، فمن جهته يروي لها العود عن رحلته عن ليلة حالمة ، عن جنائن النوافير والصبايا فتحملها الأنغام إلي تلك الأمكنة .

بعد استراحة قصيرة ينالها الساهرون ، تلمع نجمة من عليائها في السماء ، تضئ البعلبكية بصوتها وبريق عينيها أرجاء المسرح من كل حدب وصوب ويبدأ الفصل الرابع والمسمي : النواطير - ونرحل إلي حياة القري الحلوة بأعيادها والمواسم ، الحصاد وهدير الطاحون ، فيما تنطلق يد الإنسان تبني كل يوم ، تبني الأمجاد وتزرع الأشجار وتبذر حلو الكلمات في السهول وعلي قمم المنحدرات وككل الحكايات التي تعلقنا بها زمن ولعنا بالقراءة تتجدد المغناة عبر نسيج أحداثها المتداخلة في تناغم بديع ، وفي تجددها ، نكتشف أناس يتخاذلون أمام المصير الكبير، يتهربون يوم الشمس المحرقة ، بل ويتخوفون من طلوع زهرة من بين الصخر ، والمتخاذلون عادة ما يهربون في الدروب تحت العتمة ، ويردهم إلي صوابهم صوت البعلبكية:

أرضي بحيرة وبلادي أم البطولات تقول ذلك وتضيف وإن لم يبق من الأهل سوي اثنين فسوف يبنيانها من جديد ويرفعان البناء وهنا تهب علي البعلبكية العاصفة وتصفر الريح ولكنها في ختام الحكاية تجد دوما نواطيرها . 
سعيد عقل في حياتها وأغانيها

يعد الشاعر الكبير سعيد عقل منعطفا مهما في الحياة العائلية والفنية للسيدة فيروز والأخوين رحباني ، فعلي الصعيد الشخصي صار أخا للرحابنة بدخوله إلي بيتهم ليتحول إلي عضو نشط من أعضاء هذه الأسرة الفنية في الموسيقي والغناء العربي الحديث .

وكانت أم عاصي تكن محبة خاصة للشاعر الرقيق والمتدفق حيوية ، وفي ذات يوم من عام 1954 ذهب سعيد عقل برفقة عاصي إلي بيت فيروز في حي البطريركية وبعد أن خرجا من هذه الزيارة همس سعيد لعاصي قائلا : لاحظت أن حبا عميقا يقوم بينك وبين هذه الفتاة فيروز وأنصحك مخلصا بالزواج منها . وكان عاصي من جهته مهيئاً نفسيا عن طيب خاطر لتلقي هذه الملاحظة من صديقه الشاعر ، ولسنا هنا بصدد الاسترسال في تفاصيل هذا القران الميمون بين عاصي وفيروز الذي أثمر عبقرية موسيقية واعدة ونعني بذلك الفنان زياد رحباني . وإنما التركيز علي حجم الأهمية العميقة لشعر سعيد عقل الذي باحت به شفاه فيروز ونسجته أنغاما بديعة موسيقي الرحبابنة من قصيدة مشوار وبعض مختارات من ديوان ( يارا ) مرورا بقصيدة غنيت مكة والقدس وزهرة المدائن وغير ذلك.

ولم يخفي عاصي في أحاديثه الصحفية وجلسات السمر التي تجمعه بكبار الفنانين والأدباء ، عن مدي التطور اللفظي الذي تعلمه من شعر سعيد عقل وأساليب العناية بالكلمات والعبارات ، بل وكيفية كتابة قصيدة من دون قواف ، ناهيكم عن النظرة الجمالية للمشهد الغنائي ، إلا أن روائع الرحابنة علي زخمها وتعدد موضوعاتها لم تتأثر بشعره أو تحاكيه، إلا أن آثارهم الغنائية الرقيقة خرجت في نهاية المطاف غانمة بتقنية أدبه العميق ومن تضلعه بقواعد اللغة العربية التي يتميز بها هذا الشاعر العملاق .

وحين أنتهي الأخوين رحباني من كتابة مسرحية ( جسر القمر ) عام 1962 طلبا منه أن يطرزها بعبارة أدبية من عنده تتصدر التعريف بهذه المسرحية لجماهير المتفرجين في عرضها الأول ، فكتب سعيد ما نصه:

كل ضيعة بينها وبين الدني
 جسر القمر
 وطالما فيها قلب بشد قلب
 مهما تعرض للخطر
 ما بينهدم جسر القمر

والخلاصة أنه ما كان لمسيرة فيروز والأخوين رحباني أن تكون علي ما كانت عليه لولا دخول سعيد عقل إليها ،إذ أفاد هذه الرحلة الممتعة بالكثير والكثير من عطائه الخلاق . ومن القصائد التي أهداها سعيد عقل إلي فيروز في أحد أعياد ميلاها قوله :

ويسكت ذاك الحوار
كبرقٍ سجا فوق سُحب
أنا أنت تمضي العصافير
تشهق تغرى وتسبي
بقلبي ولا تعرفينَ
تعيشين أجمل حبّي
في قلوبنا وفي عيوننا

في ريعان صبا عاصي ومنصور وفي مقهى ( الفوار ) وعبر جهاز الجرامفون استمعا طويلا إلي الأغاني والأدوار القديمة للمطرب محمد عبد الوهاب ، ويتذكر منصور أنه في ذات صيف عند البحر بالقرب من منطقة( بكفيا ) كانا يقطعان مشوارا طويلا سيرا علي الأقدام إلي مقهى صغير للاستماع إلي قصيدة ( جارة الوادي ) ولم يكن عاصي يتوقع أبدا أن تدخل هذه القصيدة حياتهما الفنية من أوسع الأبواب وهما المتيمان كذلك بقصيدة الجندول لعبد الوهاب .

وتشاء الصدف الطيبة فيما بعد أن يجتمع الرحبانة بموسيقار الأجيال عن طريق صهرهما عبد الله الخوري الذي رتب اللقاء التاريخي في فندق عاليه الكبير ولم يكن عبد الوهاب حتي تلك اللحظة قد استمع من قبل إلي ألحان وأغاني فيروز ، وخلال جلسة ليست بالقصيرة في عش الرحابنة ظل عبد الوهاب مبهورا بسحر أداء فيروز وأناقة الموسيقي الرحبانية وعلي الفور تشكلت صداقة عمل عميقة بين جهابذة الغناء العربي الحديث ، وتكررت الزيارات بينهما ، وكانا الرحبيان - عاصي ومنصور - كلما ذهبا إلي مصر يستضيفهما عبد الوهاب في منزله كما كان عبد الوهاب في زيارته لبيروت يتصل بهما ويسألهما عن الجديد من ألحانهما ويعلن عن رغبته الملحة في سماعها.

وفي إحدى زياراته الكثيرة لبيروت عن طريق البحر – لأنه كان يهاب ركوب الطائرات - عرض عليه عاصي أن تغني فيروز بعض أغنياته القديمة خاصة وأنه سبق لهما إعادة توزيع روائع سيد درويش مثل : طلعت يا محلا نور وزوروني كل سنة مرة ، فلم يتردد عبد الوهاب في تلبية هذه الرغبة وبدأ بينهم علي الفور العمل في قصيدة : جارة الوادي.

وجاءت قصيدة - جارة الوادي - بالتوزيع الموسيقي الحديث كما تشتهي الأسماع المحبة للطرب الرفيع ، تليها وبعد فترة وجيزة أغنية : خايف أقول اللي في قلبي . وفي ذات مرة وبينما كان عبد الوهاب في بيروت يعد مجموعة من ألحان لفيلم جديد للعندليب الساحر : عبد الحليم حافظ ، طلب من الرحابنة تأليف أغنية باللهجة العامية المصرية ليشدو بها حليم ، وكانت هذه الأغنية بالفعل تنتظر دورها بين أوراقهما ونعني بذلك أغنية ( ضي القناديل ) التي نجحت نجاحا باهرا ، مما شجعه علي تلحين قصيدة : سعيد عقل سهار بعدو سهار تا يحرز المشوار لصوت حمامتنا : فيروز كما غنت له من ألحانه قصيدة أخري لسعيد عقل عنوانها : مر بي يا واعدا وعدا ، التي افتتحت بها فيروز مهرجان دمشق الدولي ، كما ترنمت من ألحان موسيقار الأجيال رائعة جبران خليل جبران : سكن الليل .

وهكذا .. كل شي يبدأ لكي ينتهي إلا صوت فيروز فقد بدأ من حنجرتها وسكن في قلوبنا ، بدأ من لبنان وما زالت تردده لغات الشعوب شرق وغرب الأرض . غنت للأم والطفل والحرب والسلام وللعاشقين ، وغنت للحمائم البرية وطير الوروار وغنت للأرض المزروعة ، وللبحر والحجر كما غنت لجارها القمر كثيرا وأعطتنا هذه السيدة الكريمة أكثر مما نستحق فهل نستطيع أن نرد بعضاً مما أعطتنا ؟ تقول السيدة فيروز:

أنتم عيوني وأريد منكم أن تقولوا ما تحسوه وأنا اعلم أن ما ستقولونه سيكون نابعاً من محبتكم لي.
زهرة المدائن عاصفة بعد سكون الليل

عام 1969 وبينما كان الرحابنة و فيروز يستعدون لتقديم حفلة منوعات لمهرجانات الأرز خطرت ببال عاصي أن يسمع الموسيقار محمد عبد الوهاب أخر أعمالهم الفنية والمتمثلة في قصيدة زهرة المدائن ، فماذا حدث علي وجه الضبط ؟ .

استمع عبد الوهاب للقصيدة وقال بالحرف الواحد : ( ما فيهاش حاجة جديدة ، فيها علم ) . فلم يعول الرحابنة كثيرا علي وجهة السمع الموسيقية هذه ومع ذلك وفي ليلة الاحتفال بدأت فيروز بقصيدة من ألحان عبد الوهاب ونعني بذلك قصيدة ( سكن الليل ) وساد الوجوم أرجاء المكان حتى انتهت فيروز من شدوها وعندما تحولت بصوتها المائي إلي قصيدة - زهرة المدائن - تغيرت مشاعر الحاضرين وظهر علي وجوههم بشكل واضح حالات التجاوب والاستحسان .

وفي فترة الاستراحة تسلل كل من سعيد فريحة وسليم اللوزي وجورج جرداق إلي غرفة عاصي وراء كواليس المسرح وقالوا فيما يشبه الصوت الواحد : لماذا أصبتم عبد الوهاب في مقتل لتقديمكم قصيدة زهرة المدائن مباشرة بعد قصيدة سكن الليل ، وحاول عاصي من جهته تبرير الموقف كما أكد منصور أن قصيدة عبد الوهاب مدرجة سلفا ضمن فاعليات هذا المهرجان وبموافقة شخصية منه . وهنا انفجرت ضحكة ساخرة من فريحة عززها اللوزي بضحكة مماثلة بينما جرداق قال :

 كان الله في عون عبد الوهاب نتيجة هذه المكيدة الرحبانية . 

عبد الوهاب ( الذي كان يجلس في مقدمة الصفوف المسرحية ) ووفق أسلوبه الدبلوماسي الرفيع ، لم يكترث لما حدث وظلت علاقته بفيروز والرحابنة علي ما يرام رغم المقارنة القاسية بين ألحانه وألحان الأخوين رحباني في تلك السهرة التي لا تنسي .

وعن قناعة من موسيقار الأجيال الأستاذ محمد عبد الوهاب وقبل أن يغادر بيروت بحرا عائدا إلي الإسكندرية زار الأخوين رحباني في مكتبهما في منطقة البدارو وعرض عليهما القيام بتوزيع نشيد شهير له من ألحانه في مقام الصبا ، تقول كلماته ( طول ما أملي معاي معاي وفي إيديا سلاح ) وأقترح بلباقة أن تسند البطولة للآلات النحاسية تماما كما فعلا الرحابنة في مسرحية فخر الدين ، وتم التوزيع الموسيقي بإتقان ليتوافق تماما مع تصورات عبد الوهاب مما جعله يسجل النشيد بصوته البديع في استوديوهات بعلبك قبل مغادرته لبنان .

كل اللغات أقصر من قامتها

من مجموعة المقالات التي نشرت للشاعر القدير الأستاذ نزار قباني في مجلة ( الحوادث ) اللبنانية خلال عامي 1977 و1978 مقالة له في غاية الأهمية ترصد بدقة متناهية تساقط أمطار الشعر والزمن الهارب الذي يتشكل علي شفتي فيروز .

بعد ثلاث سنين من العطش جاءت السيدة ذات الصوت المائي .
جاءت فيروز ، هجمت علينا كغمامة ، هجمت كقصيدة ، هجمت كمكتوب غرام قادم من كوب آخر ، هجمت كتفاصيل حب قديم , بعد ثلاث سنين من التوحش ، مررنا تحت أقواس صوتها الحضاري ، فتحضرنا . 
                    ( نشرت هذه المقالة بتاريخ 17 .2 .1978 )

يري نزار العظيم أنه من الغلط تسميتها سفيرة أو أميرة أو وزيرة فكل التسميات بنظره صغيرة عليها بل يعتبر أن كل اللغات أقصر من قامتها . وهنا يصرح نزار في مقالته البديعة بقوله :

إنها أهم من كل الوزارات والمؤسسات والبرلمانات والنشيد الوطني .

ويؤكد أنها أكثر أهمية من الطوابع التذكارية والبطاقات البريدية ووكالات الأنباء وافتتاحيات الصحف وأحزاب اليمين وأحزاب اليسار وأحزاب الوسط ، يلتقط نزار العظيم أنفاسه ويقول بعد صمت قليل :

إنها وحدها حزب ، إنها حزبنا ، حزب الذين يبحثون عن الحب وعن العدل وعن الشعر وعن الله وعن أنفسهم . 
أمس في مسرح البيكاديللي كان الوطن يمشي ، خلال لحظات نهض كل شيء من مكانه ومشي وراء فيروز وعاصي ومنصور ،

ويمضي نزار في وصف ما شاهده في تلك الليلة قائلا :

هنا الجبال والأنهار والبحار والصيادون والمآذن والكنائس والمدارس وخوابي الزيت والقناديل وعصافير التين وأرغفة الخبز المرقوق ورائحة العرق المطيب باليانسون وأجران الكبة المتقاعدة عن العمل في زحلة . 
 أمس في مسرحية : بترا رأينا فيروز ترش ماء الزهر علي وجه الوطن فيصحو من غيبوبته .

ورأي نزار ضمن ما رأي أن الحجارة تتبعها والشبابيك تتبعها وأشجار الغابات والينابيع وأكواز الصنوبر والخرفان الربيعية تتبعها وتراب لبنان من الهرمل إلي النافورة يتبعها،وأكتشف نزار .

 أن الوطن قد ولد كالقصيدة بين شفتيها فيما كان لبنان يتشكل كما تتشكل اللؤلؤة في داخل المحارة وكنا نتشكل علي ضفاف حنجرتها كما يتشكل العشب علي ضفاف نهر كبير . فيما تحول مسرح البيكاديللي إلي سرير ولادتنا الثانية ، وكانت فيروز في كل لحظة صوتية تعطينا تذكرة ميلاد جديدة وعمرا جديدا .

فماذا فعلت هذه السيدة المائية الصوت بشاعرنا الكبير ؟ من جهته ذهب إليها يحمل لبنان بين يديه سبع عشرة قطعة ، فنفخت عليه وأعادته إليه قطعة واحدة ، وكان نزار قد دخل عليها كمشوه حرب وخرج من عندها صحيح متمتعا بكامل العافية ، وقال :

 دخلت عليها لا أقرأ ولا أكتب وخرجت من مدرسة صوتها بدرجة امتياز . بل دخلنا عليها مجانين وخرجنا عقلاء ، دخلنا عليها رملا وترابا وخرجنا شجرا ، دخلنا عليها أكلة لحوم بشر ، وخرجنا شعراء .
أمس كنا علي موعد مع العمل الرحباني الممتاز : بترا . كنا علي موعد مع المائية الصوت ، وعلي نحو ما يتذكر نزار ، يتذكر أنه كان بيننا وبين صوت فيروز حفرة كبيرة ، كبيرة أسمها الحرب الأهلية وكان بيننا وبينها جبال من الحزن وقارات من الملح ، بيننا وبينها زمن من البشاعة والموت واللاشعر ،

ولم يخف نزار خوفه : كنا خائفين أن لا تعرفنا ، كنا خائفين أن لا نعرفها ، وكان نزار في غاية الخجل من الستارة الحمراء ومن المقاعد ومن الموسيقي ومن الشعر ومن نفسه . وخوف نزار في تلك اللحظات بسبب الحرب التي عملت علي طرده من الشعر وجعلته رغما عنه غير قادر علي الانتماء لعصر فيروز ولا لأي عصر آخر .

وفي تلك الليلة كان مطلوبا من صوت فيروز أن يكون أكثر من صوت ، وكان مطلوبا منه أن يكون زعيما وقائدا سياسيا ومعلما وقديسا ونبيا ،

وهذا بالضبط ما كان يشغل تفكير نزار قبل رفع الستارة . وفي اللحظة المنتظرة غنت فيروز وبدأت أمطار الشعر تتساقط وبدأ الزمن يتكون مرة أخري وبدأت أعمار الحاضرين تتكون مرة أخري والوطن يتأسس علي شفتيها ، يتأسس غيمة غيمة ، وشجرة شجرة ، وبيتا بيتا .

صبية تحت المطر

البرق يومض علي نحو موصول ، ونوره الباهر ينعكس في الأحداق وعلي زجاج النوافذ الموصدة في وجه الصقيع ، ورعود في الأعالي تنفجر دونما انقطاع والمطر من جهته يهطل بغزارة .

عصافير الدوري لملمت أجنحتها علي عجل وانطلقت إلى أعشاشها تتفقد صغارها ، أمواج البحر خرجت عن طورها وانخرطت في قتال مرير مع صخور الشواطئ ، والخلاصة أن الشتاء صار بلا منازع سيد الموقف

الغيث المنهمر طال كل شيء ظاهر للعيان ، الأشجار المرتجفة في العراء وواجهات المباني الأسمنتية وتحولت الشوارع إلى قنوات مائية متحركة سرعان ما اقتحمت أوحالها عتبات البيوت وأرصفة الطرقات .

ساعة الحائط الرتيبة تخبرها بإلحاح أن موعد لقاءها الأول معه قد أزف ، ومن دون الدخول في تفاصيل صغيرة ، ارتدت معطفا خفيفا علي فستانها وانتعلت حذاء طويل العنق ، تعطرت وسوت شعرها وهبطت درجات السلم الحجري مسرعة ، وهناك عند الناصية القصية والمغمورة لحافتها بالمياه وقفت تنتظره وتنتابها مشاعر شتي

من بعيد من بين عشرات السيارات المتشابهة القادمة علي طول امتداد البصر لمحته مقبل يقود عربته البيضاء ، وسيجارته الأثيرة بين شفتيه ، ويديه القويتين تقبضان علي المقود بحذر شديد

فاضت عواطفها بدفيء مفاجئ ، فيما دقات صدرها زادت في الهيجان ، وداهمت وجنتيها دماء دافقة ، واندفعت تعبر الغدير لملاقاته ، غير انه لم ينتبه لوجودها كصفصافة كانت ترتعش في مواجهة عصف الريح وتحت زخات المطر ، وأستمر في طريقه محتميا في سيارته بذات الانتباه السابق والسيجارة ما تزال حية بين شفتيه

شعرت كأن شيئا بداخلها يفقد توازنه وينهار ، وبأن قلبها يفر هاربا من بين ضلوعها ، كما أحست بطعم الصدأ يداهم كيانها ويستقر لزجا كالحنظل تحت لسانها ، فتراجعت خطوتين للوراء ، انكمشت علي ذاتها مكسورة الخاطر ثم انقلبت عائدة إلى حيث لا تدري

اعترضت سبيلها طفلة تحمل رسالة منه ، رسالة يرثي لحالها ، رسالة لم تسلم هي الأخرى من المطر ، وحين تمكنت من فتحها بصعوبة ، اكتشفت أن حروفها قد امتزجت بعضها في بعض .

حمامة في مهب الريح

تطير حمامتنا البرية في وجه الريح ، كانت لحظتها تجاهد وتطير ، تخفق بأجنحتها الرمادية وتراوغ الريح ولما تعبت وأرهقها المشوار حطت علي جذع شجرة هرمة تعود إلي الأزمنة الفينيقية السحيقة ، وهنا طفقت تنوح بما في قلبها من أشجان :

 وعدني حبيبي
 لم بدو يجي
 بأسوارة غريبة
 وبعقد بنفسجي

ظلت حمامتنا البرية تنوح وتتذكر ، فتناهي هديلها المجروح إلي أسماع عصفورتين من عصافير البراري القمحية اللون ، من اللواتي كن يتسكعن في الأنحاء المجاورة ، طارت إليها العصفورة الأولي ثم لحقت بها الثانية وحمامتنا ما تزال ساكنة فوق جذع الشجرة وتنوح

 حبيبي ضيعني
علي أحفاف الكروم
 والهوي لوعني
وتعبت من الهموم

فاقتربت منها العصفورة الأولي ، عصفورة رحالة خبيرة بالأحراش الجبلية ومنحنيات الوديان الوعرة ، عصفورة مجربة في منتصف عمرها ، دنت منها وقالت لها مواسية

 ضيعتنا قريبة
 تعالي لقناطرنا
 يا حمامة غريبة
علي بيادرنا

وقبل أن تنهي العصفورة الأولي تغريدها تدخلت العصفورة الثانية وكانت علي ما يبدو من حركاتها ولفتاتها لم تكتوي بعد بلوعة الحب ، عصفورة شابة سألت الحمامة الغريبة هكذا :

 حبيبك
 شو قالك حبيبك
 شو وصاك حبيبك

لملمت حمامتنا الخرافية أفكارها المبعثرة ، سوت ريشها كيفما أتفق وقالت تبوح بسرها :

 حبيبي قال انطريني
بأول الصيف
ع بيادر الصيف
ع الحقل اسبقيني

ذ ذاك غاص هديلها داخل صدرها وأدركت أنها تمادت في بوح ما لا يباح للغريبات من العصافير البرية فيما تزاحمت في رأسها الصغير المشاهد القديمة واعترتها نوبة من الأرتعاشات السريعة وغابت عن العصفورتين ، بل عن جميع العصافير التي أقبلت من كل حدب وصوب لسماع حكايتها الحزينة بينما حمامتنا البرية طفقت تقلب صور الماضي.

صورة وهي تنتظره دون جدوى عند الشجرة العتيقة ، وصورة تبدو فيها واقفة علي حافة جرف مرتفع في العراء وقد لوحتها شمس الصيف المحرقة ، وصورة ضبابية كانت من أشد الصور وطأة علي نفسها ، صورة هي بمثابة قفلة ننهي بها حكايتنا هذه ، صورة تبدو فيها وقد عصرها الخجل منه ومن حالها لأنه حين عاد أخيرا لم يعرفها .

المصدر: كتاب "فيروز ملامح من سيرتها الفنية" لفتحي العربي

© 2019 إذا غنت فيروز